الثعلبي
32
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
فجعل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه ، فنزل مرة إلى العيد فلمّا رجع إذا هو بامرأة قد خلت له عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول : يامطعماه ياكاسياه . فقال لها عزير : يا هذه اتقي الله واصبري واحتسبي ، أما علمتِ أنّ الموت سبيل الناس ، وقال : ويحك من كان يطعمكِ ويكسوكِ قبل هذا الرجل يعني زوجها الذي كانت تندبه قالت : الله ، قال : فإن الله حي لم يمت ، قالت : ياعزير فمن كان يعلّم العلماء قبل بني إسرائيل ؟ قال : الله ، قالت : فلم تبكي عليهم ، وقد علمت أن الموت حق وأن الله حي لا يموت ، فلمّا عرف عزير أنه قد خُصم ولّى مدبراً . فقالت له : يا عزير إنّي لست بامرأة ولكني الدنيا ، أما إنّه ينبع ماء في مصلاك عين ، وتنبت شجرة فكلْ من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصلِّ ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذ منه ، فلمّا أصبح نبعت من مصلاّه عين ، ونبتت شجرة ففعل ما أمرته به ، فجاء شيخ فقال له : افتح ، قال : ففتح فاه وألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعاً كهيئة القوارير ثلاث مرات ، ثم قال له : ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك ، قال : فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه حتى انتهى إلى قومه ، فرجع إليهم وهو من أعلم الناس بالتوراة . فقال : يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة . قالوا : ياعزير ما كنت كاذباً ، فربط على كل إصبع له قلماً وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة على ظهر قلبه ، فأحيا لهم التوراة ، وأحيا لهم السنّة ، فلمّا رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي دفنوها من توراة عزير فوجودها مثلها ، فقالوا : ما أعطاه الله ذلك إلا لأنه ابنه . وقال الكلبي : إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير إذ ذاك غلاماً صغيراً فاستضعفوه ، فلم يقبله ولم يدرِ أنه قرأ التوراة ، فلمّا توفي مائة سنة ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس منهم من يقرأ التوراة ، فبعث الله عز وجل عزيراً ليجدد لهم التوراة ويكون آية لهم ، فأتاهم عزير وقال : أنا عزير فكذّبوه وقالوا : إن كنت كما تزعم عزير فاتلُ علينا التوراة ، فكتبها وقال : هذه التوراة . ثم إن رجلاً قال : إن أبي حدّثني عن جدي أن التوراة جعلت ( لنبي ) ثم دفنت في كوّم فانطلقوا معه حتى احتفرها وأخرجوا التوراة وعارضوا بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منه حرفاً ولا آية فعجبوا وقالوا : ابن الله ، ما جعل التوراة في قلب رجل واحد بعد ما ذهبت من قلوبنا إلا أنه ابنه ، فعند ذلك قالت اليهود : عزير ابن الله .